"تنتظر مستقبلك "المشرق
هناك حالة يطلق عليها بعض علماء النفس اسم "متلازمة انتظار بدء الحياة" (Waiting for Life to Begin Syndrome)، وهي إحساس المرء المستمر بأن حياته الحقيقية لم تبدأ بعد، وأن نجاحه وفلاحه متوقفان على حدث مثالي في المستقبل يكون هو نقطة الانطلاق المنشودة. في حالة طالب العلم (والمعرفة عمومًا) مثلاً، ينسلُّ العمر من بين يديه، وعيناه معلقتان دائمًا على اللحظة التي سيبدأ عندها التحصيل الجاد وتظهر عندها ثمرة العلم .. فلا علم ولا ثمرة، لأنه دائمًا مشدود إلى حالة الانتظار التي تقتل المبادرة وتسوغ التسويف.
تمر الأيام والسنون، فتضيع الحياة التي لن نحياها إلا مرة واحدة فقط، كمن يقف على أبواب الحياة منتظرًا صافرة البداية، مع أن الحياة العلمية قد بدأت منذ أن وضعنا أقدامنا على أول درجة من درجات سُلّم الطلَب.
إن الانتظار المطوّل لعمر "مستقبلي مثالي"، يبدأ عند محطة مجهولة = يستنزف طاقتك المعنوية بلا فائدة، ويجعل الرحلة مجرد مشاهدة، بينما الوصول المأمول هو الرحلة نفسها، في العلم الذي تتعلمه الآن، والعمل الذي تؤديه الآن، والمسؤوليات التي تنهض بها الآن، والعزم الذي تعقده الآن ..
إذا فُهم هذا، ستكتشف أن الحياة لا تَنتظِر ولا تُنتظَر، لأنها هنا في كل دقيقة تعيشها، وكل لحظة تمر. فلا تنتظر سنًّا مثاليًا للتوبة، فليس هناك شيء من هذا القبيل، تب الآن وغدًا وكل يوم حتى تلقى الله! ولا تنتظر مرحلة استقرار مجهولة لتبدأ مشاريعك المعرفية الجادة، فلن تأتي ما دمت تنتظر!
لا أرى إلا أن إبليس هو أستاذ صناعة هذا الوهم، فقد حذرنا الله جل جلاله فقال:
﴾يعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴿
وأفضل وصية جَامِعة على الإطلاق لتدمير هذه المتلازمة واجتثاثها من جذورها هي كلمات أحكم البشر صلى الله عليه وسلم حين قال:
: المُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وأَحَبُّ» إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، واسْتَعِنْ بِاللَّهِ، ولَا تَعْجَزْ، وإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا كَانَ كَذَا وكَذَا، ولَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللَّهُ، ومَا شَاءَ الله فَعَلَ؛ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ. »



